| افتتاحية مجلة المرأة بقلم السيدة ليلى بن علي تحت عنوان " منزلة متنامية في مجتمع متطور " |
ينعقد المؤتمر الثاني عشر لمنظمتنا العتيدة "الاتحاد الوطني للمرأة التونسية" في سياق متميّز عميق المعاني والرموز، سياق عيدي الاستقلال والشباب، تحت شعار "المرأة التونسيّة : حداثة، مسؤولية وتألق".
وهو شعار يجسم كأروع ما يكون ما يحدو المرأة التونسية اليوم من فخر واعتزاز بما قطعته من أشواط كبيرة على درب التطور والحداثة والتقدم، وهي مدركة لحقوقها، واعية بواجباتها، ومتطلعة إلى المستقبل بثقة وتفاؤل واقتدار.
فلم تكن المرأة التونسية أعلى منزلة وأشرف مرتبة مما هي عليه اليوم، بعد أن ارتقت تونس العهد الجديد بمبدأ المساواة بين المرأة والرجل إلى مستوى الدستور، وحققت تكافؤ الفرص بين الجنسين في جميع الميادين، ودعمت حضور المرأة في مختلف أوجه النشاط ومواقع القرار، وعزّزت إسهاماتها في مسيرة التنمية وفي الحياة العامة، وفسحت لها المجال لأن تصبح عنصرا نشيطا في مكونات المجتمع المدني والنسيج الجمعياتي، وشريكا فاعلا في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية.
ولا يخفى أن هذا التطور النوعي الذي تشهده وضعية المرأة في تونس يندرج في إطار رؤية أكثر شمولا للمشروع المجتمعي الذي تنجز حلقاته بثبات على مرتكزات متينة توكل للمرأة حريتها كاملة، لكن ضمن المسؤوليات المجتمعية التي تحمي ثوابت المجتمع وعناصر رقيّه وبما يضمن تماسك الأسرة والتنشئة السليمة للأطفال وتوازن المجتمع التونسي القائم على قيم التكافل والتضامن والتسامح.
ومن دواعي اعتزازنا، أن المرأة التونسية أثبتت جدارتها بما حظيت به من حقوق ومكاسب، وبما تضطلع به من دور متميز في الأسرة والمجتمع. وهي تمثل اليوم ربع السكان النشيطين ببلادنا، وسجلت حضورا مكثفا في القطاعين العام والخاص، وأكدت قدرتها على الإضافة والإفادة في سائر مجالات العمل والإنتاج والإبداع.
وإذ يبقى هذا الحضور والتألق والتميّز المرأة التونسية رمزا من رموز الحداثة في بلادنا، فإنه بالتوازي يدعم الموقع الريادي للنموذج التونسي في مجال النهوض بحقوق المرأة في محيطها الحضاري والجغرافي.
ومن هذا المنطلق كان حرص تونس على تنزيل مسألة المرأة في صميم قضية الإصلاح في العالم العربي تكريسا لقناعة قيادتها وشعبها بأن مشاركة المرأة شرط كل حداثة، وإصرارا على مواصلة السعي إلى إرساء دعائم الحرية والمشاركة الفعالة في الحياة العامة وإطلاق القدرات الإبداعية للشعوب، وبرهانا على أنه لا حداثة اقتصادية أو سياسية أو علمية ولا تغيير، في ظل غياب المرأة. وكان شاهدها في ذلك وحجتها مساهمة المرأة التونسية في إنجاح مسيرة الإصلاح والتغيير واستنهاض الوعي بالتحديات المطروحة ومن ثمة كسب معاركها.
ولا شك أن المرأة التونسية بقدر اعتزازها بمكاسبها وما تحقق لها في ظل العهد الجديد، واعية بأهمية المواعيد الوطنية والدولية التي ستنتظم ببلادنا خلال هذه السنة وبضخامة الرهانات الوطنية القادمة، وهو ما يدعوها إلى بذل المزيد من الجهد والبروز بإضافاتها على الساحة الوطنية، وإلى مزيد العطاء حتى تبقى المرأة التونسية قوّة فاعلة ودائمة لمسيرة التحديث والتطوير والتقدّم، جديرة بالمسؤولية، وعنوانا للتألق.
وستشكّل الانتخابات البلدية القادمة مناسبة متجدّدة تعزّز فيها المرأة التونسية، كناخبة ومترشحة، ممارستها لحقوقها السياسية وتفعيل مشاركتها في العمل السياسي وجدارتها بالمنزلة المدنية والسياسية التي تتبوّأها والتي ستزداد مساحتها اتساعا وحضورا بعد قرار الرئيس زين العابدين بن علي على أن لا تقلّ نسبة حضور المرأة في المجالس البلدية عن 25%.
كما أن احتضان تونس للقمّة العالمية لمجتمع المعلومات في نوفمبر القادم سيكون بدوره مناسبة يعاين فيها ضيوف تونس على الأرض مساهمة المرأة التونسية، لا في إنجاح هذه التظاهرة فحسب، وإنما مدى انخراطها الفاعل في مجتمع المعلومات بعدما مكّنها الرئيس زين العابدين بن علي من جميع مستلزمات المعرفة التي تيسّر لها ممارسة الحق في الاتصال... هذا الحق الذي كفلته الدولة للتونسيين جميعا. وسيقف العالم من خلال هذه القمّة على مظهر آخر من مظاهر الحداثة في تونس والمتمثل في مشاركة المرأة التونسية في بناء مجتمع المعرفة ومدى نجاحها في استيعاب المعارف التكنولوجية الجديدة والاستفادة من مزاياها وتوظيفها السليم في ترسيخ دعائم حريتها المكفولة في الداخل وقدرتهما على التواصل مع الثقافات الأخرى.
إن تونس تشرّع اليوم أبواب المستقبل أمام التونسيين جميعا، وتبقى المرأة في موقع القلب منه وهو ما يجد أبرز تجلياته في برنامج رئيس الجمهورية لتونس الغد، الذي خصّ المرأة بأحد محاوره الجوهرية والذي من أهدافه تحقيق حضور أوسع للمرأة في مواقع القرار والمسؤولية لن تقل نسبته عن 30% في أفق سنة 2009، إلى جانب توفير حماية أكبر للرباط الأسري، وفرص أكثر للمرأة للتوفيق بين الحياة الأسرية والحياة المهنية.
وبمثل هذه القرارات والإجراءات تؤكد الإرادة السياسية في بلادنا بوضوح استمرارها في تلبية الحاجيات الجديدة للمرأة ومواصلتها عملية الارتقاء بوضعها حتى تحقيق الشراكة الكاملة بينها وبين الرجل في الحياة العامة. وليس أمام المرأة التونسية إلا أن تكون في مستوى المسؤولية، وأن تثبت جدارتها بما اكتسبته من حقوق وكفاءاتها في أداء وظائفها الاجتماعية، وأن تكون أيضا دعامة أساسية في تنفيذ محتوى هذا البرنامج وتحقيق أهدافه.
ويبقى الاتحاد الوطني للمرأة بتاريخه وإنجازاته، الفضاء الأنسب لاستقطاب النشاط النسائي وترسيخ قيم المواطنة والتطوع والوفاء في صفوف مناضلاته ومنخرطاته، ودفع مسيرة التنمية الشاملة والمتوازنة في كافة جهات الجمهورية، واستيعاب ما يسود عصرنا من معارف وعلوم وتقنيات، حتى تتضافر بذلك جهود سائر التونسيات والتونسيين لرفع التحديات وكسب الرهانات ويكونوا أقدر من أي وقت مضى على تأمين التقدم والرفاه لشعبهم والعزّة والمناعة لوطنهم. والله الموفّق .
|